فخر الدين الرازي
33
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يعلم الجزئيات قبل وقوعها ، واحتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة للّه تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غداً تطلع من مشرقها ، والوقوع يدل على الإمكان ، وإنما قلنا : أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة للّه تعالى ، لأن تعلق اللّه تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته ، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره ، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص ، وذلك / محال ، فوجب أن لا يتعلق بشيء من المعلومات أصلًا وإن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها وهو المطلوب أما الشبهة الأولى : فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للقدرة ، فالتابع لا ينافي المتبوع ، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة . وأما الشبهة الثانية : فالجواب عنها : أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها . وأما الشبهة الثالثة : فالجواب عنها : أن اللّه تعالى لا يعلم عددها ، ولا يلزم منه إثبات الجهل ، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ، ثم أن اللّه تعالى لا يعلم عددها ، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد ، لم يلزم من قولنا : أن اللّه تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل . وأما الشبهة الرابعة : فالجواب عنها : أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره ، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير ، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره ، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره ، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئاً واحداً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها . وأما الشبهة الخامسة : فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه ، وإذا انتقضت الشبهة سقطت ، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية اللّه تعالى سالماً عن المعارض ، وباللّه التوفيق . المسألة الثالثة : اعلم أن الضمير لا بد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق ، فالضمير إما أن يكون متقدماً على المذكور لفظاً ومعنى ، وإما أن يكون متأخراً عنه لفظاً ومعنى ، وإما أن يكون متقدماً لفظاً ومتأخراً معنى ، وإما أن يكون بالعكس ، منه . أما القسم الأول : وهو أن يكون متقدماً لفظاً ومعنى فالمشهور عند النحويين أنه غير جائز ، وقال ابن جني بجوازه ، واحتج عليه بالشعر والمعقول ، أما الشعر فقوله : جزى ربه عني عدي بن حاتم * جزاء الكلاب العاويات وقد فعل وأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد ، فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز ، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائز . القسم الثاني : وهو أن يكون الضمير متأخراً لفظاً ومعنى ، وهذا لا نزاع في صحته ، كقولك : ضرب زيد غلامه . القسم الثالث : أن يكون الضمير متقدماً في اللفظ متأخراً في المعنى وهو كقولك : ضرب غلامه زيد ، فههنا الضمير وإن كان متقدماً في اللفظ لكنه متأخر في المعنى ، لأن المنصوب متأخر عن المرفوع في التقدير ، فيصير كأنك قلت : زيد ضرب غلامه فلا جرم كان جائزاً . القسم الرابع : أن يكون الضمير متقدماً في المعنى متأخراً في اللفظ ، وهو كقوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ فإن المرفوع